محمد ابو زهره
679
خاتم النبيين ( ص )
النبي في المدينة 456 - كانت غزوة بدر الآخرة في شعبان من السنة الرابعة ، ثم كانت من بعد غزوة دومة الجندل في ربيع الأوّل من السنة الخامسة ؛ فمكث الرسول صلى اللّه تعالى عليه وسلم من غير غزو نحو ستة أشهر أو تزيد ، فماذا كان يعمل ؟ ونقول في ذلك : كان يقوم بحق التبليغ للرسالة ، فما بعث محمد صلى اللّه تعالى عليه وسلم للقتال ، ولكن بعث لتبليغ رسالة ربه ، وما كان القتال إلا دفعا للذين يقفون في سبيل الدعوة ، أو يكيدون للنبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، وللمؤمنين ، أو يريدون أن يفتنوا الناس عن الإسلام ، فالقتال كان لحماية الدعوة ، وهي الأصل ، وبيان أحكام اللّه تعالى للعباد ، هي تبليغ الرسالة واللّه تعالى يقول في كتابه العزيز : يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ، وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ ، وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ( المائدة - 67 ) . كانت إقامة النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم في المدينة في الفترات التي تكون بين الغزوات لبيان حقائق الرسالة المحمدية ، والأحكام الشرعية ، وتعليم المؤمنين ما يدعو إليه ربهم ، وتحفيظهم ما يتيسر لهم من حفظ القرآن بحيث يحفظه مجموعهم ، ويحفظ بعضهم كله كزيد بن ثابت . فكان عمله عليه السلام في فترات السلم تبليغ ما أمره اللّه تعالى به ، وبيان الطريق لتنفيذه وتطبيقه ، وتعليم الناس ما لا يمكن معرفته إلا بالتدريب عليه . لقد رأينا بعد غزوة بنى النضير نزول القرآن بتحريم الخمر ، فالنبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، يتولى تنفيذ ذلك التحريم ، ببيان العقوبات الزاجرة المانعة من الشرب ، فقد جيء له بشارب ، فضربه بالنعال أربعين بنعلين ، فكانت ثمانين ، فاعتبر كثيرون من الصحابة حد الخمر ثمانين ، وشدد النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم في المنع ، فقال في شارب الخمر : إذا شرب ، فاضربوه ، فإن عاد فاجلدوه ، فإن عاد فاقتلوه . وجاء قوم يقولون إنا بأرض برد نستدفيء بالخمر ، فنهى النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم عن شربها ، فقالوا إنهم لا يمتنعون ، قال : فقاتلوهم . وبذلك بين لهم النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم أحكام الشرع ، ودربهم على تنفيذ ما أمر اللّه به ، وما نهاهم عنه ، ويقيم الحدود التي شرعها اللّه تعالى ، ويحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه بما أنزل اللّه تعالى . وقد بين لهم صلى اللّه تعالى عليه وسلم أحكام الزواج ، وشرح لهم المحرمات ، وعلمهم الفرق بين ما هو سفاح ، وما هو نكاح ، وما للرجل على امرأته ، وما عليه من حقوق ، وبين أحكام الملكية